الحدث والفكرة في التأريخ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحدث والفكرة في التأريخ

مُساهمة من طرف الامبراطور زيدان في 10/3/2007, 4:38 pm

توجد علاقة جدلية بين الحدث والفكرة. الفكرة هنا بمعناها الواسع، أي قد تكون نظرية أو أيديولوجيا تصيغ مفاهيم جديدة فيما يخص المجتمع أو اقتصاده أو رؤيته الشمولية في النظر إلى نفسه أو إلى العالم حوله. وليس من الضروري أن نعرف أيهما سبق الآخر, هل الحدث يُولّد الفكرة أو العكس. ولعل هذا أشبه ما يكون بأُحجية هل الدجاجة سبقت البيضة أو العكس.

مرّ التأريخ البشري بمراحل عديدة إلى أن وصل إلى المرحلة الصناعية وبها بدأ العصر الحديث بكل إفرازاته وتداعياته وقيمه. وقد أنجبت هذه المرحلة واحدة من أكبر الأفكار التي أثرت بشكل جوهري في عقائد المجتمعات وعلاقاتها مع نفسها ومع الآخر. إنها الليبرالية دون أن نغالي بأنها نهاية التأريخ كما ذهب فوكوياما وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان.

الحدث هو الثورة الصناعية في بريطانيا والتي تعني مكننة الإنتاج بشكل واسع وقد حصلت على مرحلتين. الثورة الصناعية الأولى في منتصف القرن الثامن عشر والتي تزامنت مع الثورة الزراعية بسبب الفائض في الأيدي العاملة. بالإضافة إلى وجود المواد الخام والبنية التحتية الجيدة - قنوات وطرق- وازدياد المعرفة التقنية. ساهمت الثورة الاولى في توسع حجم الصناعة القطنية في الريف الإنكليزي وهذا الحدث بدوره فجّر الثورة الصناعية الثانية في المدن وحولها وبذلك تطورت صناعة المناجم والحديد والهندسة الميكانيكية وتوسعت شبكة سكك الحديد والتي يعتبرها بعض علماء الاجتماع الأوربيين من الاهمية بمكان بحيث ساهمت في خلق قيم ومعايير جديدة من خلال التواصل السريع بين المدن والدول الأوربية. استغرق انتشار الثورة الصناعية قرنا ونصف القرن لكي تصل آثارها الى معظم البلدان الأوربية وعبرتها الى الولايات المتحدة وروسيا واليابان.

الفكرة هي الليبرالية. والحدث كان كبيرا بحيث أن الفكرة لم يكن بوسعها إلا ان تكون بحجم الحدث لكي تغطي كل مناحي الحياة. ربما كانت الليبرالية هي الفكرة الوحيدة التي لم تمر بمرحلة الفلسفة, بل تزامنت فلسفتها مع كونها أداة براغماتية قابلة للتطبيق العملي فورا.

كانت الرأسمالية هي البنت الشرعية للليبرالية ومن ابرز صفاتها أنها خلقت روح التنافس الى حد فقدان الرحمة في نفوس المتنافسين. وتم التلاقح بين القيم الزراعية والصناعية بحيث أن الثانية ساهمت في تطوير الأعمال الزراعية من خلال المكننة بحيث أصبحت الزراعة نفسها جزءا من العملية الصناعية. في هذا الجو المُبرّر والمشحون بالتنافس ظهرت الليبرالية من قبل فلاسفة القانون ثم الاقتصاد, أي قبل أن تتخذ الليبرالية المضمون السياسي.

يُعتبر فيلسوف القانون البريطاني بينثام أحد ابرز الذين قننوا للمجتمع الليبرالي. لقد رأى أن التطور الهائل الذي جلبته الثورة الصناعية لا يمكن أن يُترك لأهواء الرأسماليين فقد يطحنون بعضهم بعضا في حلبة التنافس ويجروا المجتمع إلى ما لا تحمد عاقبته. يرى بينثام أن الإنسان للإنسان ذئب. أو كما قال الشاعر العربي القديم "من لم يكن ذئبا على الأرض أغبر, كثير الأذى بالت عليه الثعالب". كما وصل إلى نتيجة مفادها بأن الطبيعة وضعت الإنسان تحت رحمة سيدين: الألم والمتعة وهما يحددان أفعاله أو ما يتجنب فعله. وتبعا لذلك فقد طور مبدأ المنفعة على أساس سلطان هذين السيدين. وهذا المبدأ ليس صالحا فقط للخيارات الفردية, وإنما يفيد كمرشد في القرارات التي يتخذها المجتمع. وهذا بدوره أدى إلى مفهوم جديد في تقييم الخير والشر على أساس أكثر قدر من السعادة لأكثر عدد ممكن من الناس.

في الثقافة الفقهية الإسلامية نجد أن مفهوم الاستصلاح أو المصالح المرسلة تتفق مع هذا المفهوم على أن كل ما يصلح للمجتمع فهو شرعي, كون الشريعة جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد. مع إشتراط صيانة الأركان الضرورية الخمسة وهي: حفظ الدين, وحفظ النفس, وحفظ العقل, وحفظ النسل وحفظ المال. وإذا كانت الحرية عند بينثام وكل الفلاسفة الليبراليين هي الأساس الجوهري الذي تقوم عليه الليبرالية والصالح المطلق للمجتمع فأن هذا لا يعني إطلاق العنان لها دون تأطيرها قانونيا. بينثام كان بطبعه قانونيا إلا أنه شن هجوما على رجال القانون لأنهم لا يفكرون إلا بالماضي وكأن الحدث الكبير فقاعة تتطاير في الهواء. و رأى في الثورة الصناعية الفاصل بين المراحل التاريخية فأعلن بأنه ليس الماضي هو الذي يحكم المجتمع, بل العقل في قدرته على أن يبني العلاقة بين السبب والنتيجة. كما أنه هاجم الميتافيزيقا- علم ما وراء الطبيعة- ليكون للعلم السلطان في المجتمع الليبرالي. تأثر بينثام كغيره من المفكرين الليبراليين بالاكتشافات النيوتنية- نسبة إلى عالم الفيزياء اسحق نيوتن والذي تعتبر قوانين الحركة والجاذبية من أهم اسهاماته والتي أنهت عصر من سبقه من الفيزيائيين- لقد حاول بينثام أن يكون نيوتن العلوم الأخلاقية. وفي هذا إعلان على أن منظومة القيم والأخلاق بعد الثورة الصناعية تدور في فلك جديد.

أما اقتصاديا فجاء إنجيل الليبرالية من المدرسة الفيزوقراطية- الطبيعية- التي ذهبت إلى أن الفعل الاقتصادي نظام طبيعي يتحقق بواسطة ما سمّته بالإنسان الاقتصادي homo oeconomicus الذي يتصرف بشكل غريزي نحو تلبية أقصى ما يمكن من الحاجات بأقل ما يمكن من الأتعاب. وهي ترى أن مصالح الأفراد تتطابق تماما مع مصلحة المجتمع, لأن القوانين الاقتصادية الطبيعية تؤدي إلى إحداث التوازن بين الأسعار والإنتاج والدخل.

لقد ارتبطت الليبرالية الاقتصادية بالليبرالية السياسية. وقد نادى بها كل من آدم سمث وريكاردو. ثم ازدهرت على أيدي نخبة من الاقتصاديين مثل جون ستيوارت مل وجان باتيست ساي وذلك عندما بلغت الثورة الصناعية نجاحها. وبهذا أصبحت الليبرالية العقيدة الرسمية للدول التي دخلت فضاء التطور الصناعي. وصار من أهم سماتها التأكيد على حرية إقامة المنشآت والاستثمارات. وإن إلتقاء العرض بالطلب في السوق هو الذي يحدد السعر وهو ما يُعرف بقانون العرض والطلب والذي يؤدي تعطيله إلى إحداث أزمات خطيرة ويمنع إقامة المجتمع الطبيعي المتناسق. كما أن حرية عقد العمل توازي من الناحية القانونية بين رب العمل والعامل وبذلك لا يمكن التحدث عن استغلال الأول للثاني ما دام العامل هو الذي وقع بمحض إرادته عقد العمل. وتذهب الليبرالية الاقتصادية إلى أن عدم المساواة الاجتماعية هي أمر طبيعي, بل هي ضروري وحتمي. وذهب بعض الليبراليين إلى أن هذه من الحقائق الكونية التي لا تنكرها حتى الأديان. لكن القرن العشرين شهدت تطورات كبيرة من الناحية الصناعية وتضخمت الأنا لدى البنت الشرعية - الرأسمالية- حتى أنها خاضت حربين عالميتين لأسباب اقتصادية بحتة وأن كانت أسبابها المُعلنة غير ذلك. فأنتج الأوروبيون الاشتراكية لمواجهة أولا: نتائج الليبرالية وحقائقها التي تطحن الضعيف في مجتمعاتهم. ثانيا: الشيوعية التي تعلن بأنها قادرة على الالتزام بالثورة الصناعية ماديا وفي نفس الوقت على وأد القيم الناتجة عنها وهذا هراء لدى الليبراليين لأن أي مادة لها روحها وقيمها.

استغلت الأنظمة الدكتاتورية في العالم الثالث تصرفات الرأسماليين لتضرب مفهوم الحرية في شكلها المتمثل في الديمقراطية, تحت شعارات تقدمية وتؤكد على الخصوصية المحلية التي تتطلب حسب هذه الأنظمة نوعا خاصا من الديمقراطية. وذلك بهدف تبرير تفردها بالحكم واستمرارها الدائم فيه وتسلطها على رقاب شعوبها. إنه ممارسة الديكتاتورية باسم الديمقراطية الخاصة!

الأمر الذي لا شك فيه هو أن فكرة الليبرالية أنتجت كل الأفكار والأيديولوجيات من بعدها على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي السياسية لتتوازن مع الليبرالية سواء بهدف هدمها أو الإضافة إليها. وهذا لا يعني إضفاء القداسة على الليبرالية, وإنما يعني أن الثورة الصناعية أنتجت عالما جديدا. كيف ستكون الثورة القادمة على كوكبنا؟ لا ندري. ربما نجد الإجابة على لغز الدجاجة والبيضة عندما تهب رياح الثورة ما بعد الصناعية, وعندها يعرف فوكوياما أن الليبرالية ليست نهاية التأريخ.
avatar
الامبراطور زيدان
Admin
Admin

ذكر عدد الرسائل : 530
العمر : 26
تاريخ التسجيل : 09/03/2007

عضو ممبز
نقاط التميز: 15
وصف:

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى