المذبحة فلم وثائقي يؤرخ لوقائع مذبحة صبرا وشاتيلا

اذهب الى الأسفل

المذبحة فلم وثائقي يؤرخ لوقائع مذبحة صبرا وشاتيلا

مُساهمة من طرف الامبراطور زيدان في 11/3/2007, 1:07 am

القتلة ما زالوا يعيشون بيننا : فيلم الالمانية مونيكا بورغ مذبحة يثير اشكالات حول دور الفن وحدوده







عرض مؤخرا في قاعة سينما ارسينال في العاصمة برلين الفيلم الوثائقي المثير للجدل مذبحة والذي يؤرخ لوقائع مذبحة صبرا وشاتيلا التي وقعت في المخيمين الفلسطينيين عام 1982 بعيد الحرب وخروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان.
استطاعت الصحافية والمخرجة الالمانية مونيكا بورغمان ومن خلال عملها في بيروت منذ ما يقرب من خمس وعشرين عاما من تكوين شبكة اتصالات مكنتها من الوصول الي بعض المنفذين المباشرين للجريمة، وكانت شهاداتهم المروعة علي ما جري من تقتيل وتقطيع واغتصاب هو موضوعة هذا الفيلم الاشكالي بكل المعايير المتاحة.
يبدأ الفيلم بعرض لوح المعلومات الذي سبق وقوع المجزرة: شاركت منظمة التحرير بالحروب الاهلية والطائفية التي هدفت الي فرض الهيمنة علي لبنان.
منذ بداية السبعينات استخدمت المنظمة لبنان كقاعدة لشن هجمات علي اسرائيل.
في حزيران (يونيو) 1982 يجتاح الجيش الاسرائيلي لبنان ويجبر الآلاف من مقاتلي منظمة التحرير علي المغادرة.
في اب (أغسطس) 1982 يختار قائد ميليشيات الكتائب الموالية لاسرائيل بشير الجميل رئيسا للبنان.
في 14 ايلول (سبتمبر) يلقي بشير الجميل حتفه من خلال تفجير ضخم، وبعد يومين من هذا التاريخ ترتكب في جنوب بيروت مذبحة... صبرا وشاتيلا.
وقبل عرض لوحة المعلومات يدخلنا الفيلم في صلب الموضوع من خلال شهادة أحد القتلة والذي يدعم كلامه بالاستعانة برسم غرافيكي ويصف كيف انهم جمعوا الناس حول حفرة أو جورة كبيرة حسب قوله وكانوا يقتلون أحدهم ويأمرون المصطف بجانبه بأن يرميه في الحفرة ليكون هو نفسه التالي في الدور.
قسمت المخرجة فيلمها الي ثلاثة أقسام: القسم الاول يضيء فيه الفيلم طفولة وشباب الاشخاص القتلة وعلاقاتهم العائلية وخلفياتهم الاجتماعية في محاولة منه لتفسير سلوكهم العنفي وهو الهدف الذي وضعته المخرجة من القيام بصناعة الفيلم والذي توج بارتكاب افظع الجرائم وهو الابادة الجماعية لأناس عزل.
من هذا الجزء نتعرف علي بعض ملامحهم كقول أحدهم: أنا كنت محبوسا بجريمة قتل، وقول آخر بأنه يتعاطي المخدرات بأنواعها وما زال وأنه ورث هذا عن أبيه والذي كان قبضايا حسب قوله وآخر يحدثنا عن عائلته الكبيرة المتواضعة من ثمانية أخوة وكيف كان النظام والالتزام الي حد التزمت والرعب شعار الاب وما تلاه من ذكور العائلة. ثم يحدثنا بعضهم بنشوة زائدة عن تجربتهم مع الحرب الاهلية وكيف انهم وجدوا متعتهم في لعبة القتل والخطف هذه حتي يكاد المشاهد ليسمع تحسراتهم علي تلك الايام الخوالي، الحرب حلوة، حرب الفلسطينيين حلوة، حرب شوارع ومش كل واحد بيقدر يصمد فيها... الي اخر هذه الاقوال في تبجيل القتل والقتل المضاد.
القسم الثاني يحدثنا عن بشير الجميل ودوره في الاعداد والتدريب ثم تأثيره النفسي علي سلوكيات أتباعه. الجميل حسب الفيلم جاء ليعطي من لا قيمة لهم في أعينهم واعين الاخرين قيمة ما، اختار منهم من توسم فيه طاعة عمياء ليكون من الوحدات الخاصة التي تتلقي التدريب في لبنان واسرائيل.
نقلت الوحدة علي متن سفينة الي ميناء حيفا ليقوم خبراء وضباط اسرائيليون باعدادهم عسكريا ونفسيا لمهمة ما. كان من ضمن الاعداد هذا تمارين تحت عنوان صراع البقاء والذي اعترف اكثر من قاتل بانه كان له التأثير الاكبر في نفسيات الفرقة. لم تكتف اسرائيل بالتدريب العسكري بل حاولت تسويق مأساة الهولوكوست من خلال عرض أفلام المذبحة النازية باللونين الأسود والأبيض. وهنا تقع في نفسي قمة التناقض، فاسرائيل تحاول در عطف ضيوفها علي ما وقع لليهود في أوروبا وتقوم فيما بعد بتوفير الدعم اللوجستي والمعنوي ومساعدة القتلة في محاولة اخفاء افظع جرائم القرن ليكون هذا الفيلم دليلا قاطعا آخر علي استغلال اسرائيل السياسي لمعاناة اليهود الانساني وبفجاجة قل نظيرها. في احدي لقطات الفيلم يجابه القتلة بصور ضحاياهم ملقاة ومكدسة في أزقة المخيم باللونين الاسود والابيض ولم يبدوا أي نوع من التعاطف أو الندم، تماما كما لم يتعاطفوا مع صور ضحايا الهولوكوست ولم يفهموا دوافع مضيفهم من ابناء وأحفاد الناجين من جحيم المذابح اصرارهم علي تفضيل هذه المتعة علي أفلام العنف والجنس. وفي حواري مع المخرجة بعد العرض سألتها ان كان يحق لنا كمشاهدين ربط المشهدين اي ضحايا النازية وضحايا مذبحة صبرا وشاتيلا رغم البعد الزمني النسبي بين المشهدين في الفيلم ولكن للتشابه في كثير من الأوجه ليس أقلها مشهد الضحايا باللونين الاسود والابيض فردت بالقول: انه لم يكن مقصودا منها ذلك ولم تتنبه اليه قبل سؤالي هذا.
وفي اسرائيل أيضا تنظم لهم زيارة خاصة الي الكنيست وأخري الي المتحف الوطني في محاولة لخلق حالة تماثل معينة.
يظهر هذا التماثل جليا عند بداية الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 عندما يخبر رؤساء الكتائب أتباعهم بأن هذا جيش حليف جاء لتخليصهم من العدو الرابض بينهم وهو الفلسطيني.
عندما يغتال بشير الجميل في 14 سبتمبر ينهار عالم الأب الروحي، تنهار احلام كانت قد ارتبطت به شخصيا، تختل موازين المتبوعين الذين يخافون من عودتهم الي خانة اللاقيمة الاولي التي كانوا بها. ولاجل استغلال هذا الشعور الذي هو مزيج من الحزن والغضب كان لا بد من توجيهه الي عدو ما، وتكفلت اسرائيل من خلال ايلي حبيقة وغيره من قادة الكتائب بخلق هذا، ومن اسهل من الفلسطيني اللاجئ المسلوب مسبقا من انسانيته في ان يكون هدف التنفيس المحتقن في النفوس؟
يوثق الفيلم بشهادة المنفذين أنفسهم كيف ان التنسيق بين ضباط من الجيش الاسرائيلي وقادة الكتائب قد تم مباشرة وعلي مستوي رفيع للقيام بعمل عسكري داخل المخيمين.
القسم الثالث: وهو القسم الرئيس فيه وصف لما جري فعلا في صبرا وشاتيلا. ليلتان وثلاثة أيام هي المدة التي انطلق فيه الحقد والعنف العشوائي الفالت من كل انسانيته ليعمل القتل والذبح في سكان الشوارع والازقة الضيقة. كان الوصف من خلال أفواههم القذرة مرعبا لدرجة ان بعض مشاهدي الفيلم بدأ بالتقيؤ. القتل لم يتم باطلاق الرصاص فقط، ولكن باستخدام السكاكين والات اخري لتأكيد سادية القتلة وشهوتهم لعذابات ضحاياهم فها هو أحدهم يقول: انك تقتل أحدهم يعني ان يموت وخلص، اما أن تشق بطنه وهو ما زال حيا أو ان تلوي ذراعه وتحزها بسكين وهو يتوسل اليك، فهذه موتة سيأخذها معه الي القبر هذه موتة الخوف ثم، يتوجه بكلامه الي المخرجة: عمرك بحياتك ما خفتي؟
عن الصعوبات التي رافقت تنفيذ المذبحة قال أحدهم: ان عتمة الليل كانت أولي المشاكل حيث أطلقت مجموعتان من المنفذين النار علي بعضهم عن طريق الخطأ فما كان منهم الي أن أعلموا مرؤوسيهم ليتكفل الجيش الاسرائيلي باضاءة المنطقة بقنابل ضوئية لتسهيل العملية. وقال آخر ان عملية اخفاء الجثث ومنع خروج الروائح والقبور الجماعية التي ستختفي بها كانت مسألة صعبة أخري، ولكن من خطط ودعم كان يحسب لكل صغيرة، أكياس النايلون والمواد الكيماوية وفرها الجيش الاسرائيلي في حين قامت جرافات تابعة له بحفر القبور لاخفاء الجثث. شهادات القتلة كانت دالة، قاطعة علي ان دور اسرائيل لم يكن فقط غير المباشر كما قررته لجنة التحقيق الاسرائيلية كاهانا التي شكلت بعد المذبحة للنظر في مسؤولية وزير الدفاع آنذاك ورئيس الوزراء السابق أرييل شارون وبرأته وجيشه من العلم المسبق بنية عصابات الكتائب او المعرفة بما يقومون به في المخيمين، بل هي مشاركة فعلية في التخطيط والتنفيذ ايضا، حسب الفيلم.
تقنية الفيلم: ولان عدم اظهار وجوه الاشخاص الستة كان متفقا عليه مسبقا اعتمد الفيلم للمحافظة علي عنصر التشويق علي لغة الجسد فكانت الكاميرا تنتقل علي أعضاء الجسم فنسمع التعليق في الوقت الذي نري فيه الايدي أو حركة الرجلين او الرقبة او حتي تصوير الشخصيات من الخلف. وزيادة في التركيز علي هذا العنصر كانت المخرجة تطلب من الشخصيات بخلع قمصانهم ليقفوا عرايا الجسد العلوي، مما زاد في اشمئزازنا كمشاهدين ونحن نري العرق يتصبب من جباههم وأيديهم ومن تحت اباطهم ونري أيضا القاذورات من تحت أظافرهم.
أما أماكن التصوير فهي غرف صغيرة أخليت من كل أثاثها ما عدا كرسي عالي أو اريكة في خلف المشهد. اما طلاء الغرف فاختلفت ألوانه من مكان الي آخر فمن باهت الالوان الي أحمر أو أخضر. أخبرتنا المخرجة بأن التصوير كان قد تم في أماكن مختلفة في بيروت فمنها ما هو السكن الخاص بأحدهم او شقق استأجرت لغرض التصوير خصيصا. هذه الغرف واجوائها اضافة الي موسيقي المقدمة والتي كانت أشبه بقرقرة وقرع طبل صغير أضفت برودة اضافية ورهبة زائدة علي ايقاعات الفيلم ككل.
وفي النهاية ماذا أراد الفيلم قوله وكيف تسنت الفكرة لصانعيه؟
المخرجة بورغمان قالت انه لم يكن هدفها عمل فيلم عن المذبحة كحدث هز الوجدان لذلك كان جانب الضحية في هذا الفيلم غائبا تماما بل كان الفاعل هو المسيطر والمسوغ للاحداث، كان هدفي هو دراسة ظاهرة هذا العنف الجمعي ماذا يدفع شخصاً أو مجموعة أشخاص الي ممارسة هذا السلوك الشاذ؟ كيف كان يحس مرتكب هذه الجريمة أثناء قيامه بها؟ كيف يعيش هؤلاء الاشخاص حياتهم الاعتيادية بعد هدوء الغبار؟ واي وسائل اتبعت في الدولة المدنية لمعالجة الظاهرة وحامليها؟
ولانه في دولة كلبنان لم يهتم أحد بما جري آنذاك بل علي العكس تماما فقد أصدر البرلمان اللبناني عام 1991 عفوا عاما عن كل مرتكبي الجرائم والمذابح أثناء الحرب الاهلية وما تبعها حتي تاريخ صدور العفو. اذا بقي هؤلاء الاشخاص خارج دائرة المحاسبة القانونية او حتي المعالجة النفسية علي الأقل. وقد ظهر هذا بوضوح تام اثناء الادلاء بشهاداتهم فلا هم نادمون علي ما قاموا به من جريمة ضد الانسانية ولا هم حتي متعاطفون مع الابرياء الذين ازهقت أرواحهم بل علي العكس تماما فقد اعطوا الانطباع بان جريمتهم هذه تندرج تحت باب البطولة وانهم لو أتيحت لهم الفرصة مرة أخري فلن يترددوا عن القيام بعمل آخر مشابه.
الاشخاص الستة تزوجوا فيما بعد ما عدا واحد منهم ما زال يعيش مع قططه الكثر في منزله.
وحول سؤال الي صانعة الفيلم ان كان هؤلاء رووا لأطفالهم ما قاموا به في صبرا وشاتيلا أجابت بنعم ولكن من زاوية الفخر بالعمل البطولي الذي قاموا به.
اذا ورغم أهمية الفيلم القصوي كشهادة أخري للحقيقة، هل يشفع له هدفه من تقديم دراسة عن العنف اثناء الحروب الاهلية من اعادة تقديم قتلة أوباش ليتحدثوا أمام الكاميرا ويفاخروا بما قاموا به؟ هل كان ضروريا للفن تقديمهم بهذا الشكل كـ سوبر ستار عاري الجسد وهم مباهون بعلامات رجولتهم من كثافة شعر الصدر واليدين وبروز العضلات؟ تقول بورغمان بأنها ما تزال تحتفظ بعلاقات معهم فهل يا تري لو طلب منها البوح بأسمائهم أمام العدالة فمن سينتصر يا تري، وعدها الذي قطعته لهم، ام ضمير الفنان الذي يأبي المساومة علي انسانيته؟ أسئلة كثيرة طرحت وتسببت في شق جمهور المشاهدين والمثقفين المتابعين عن دور الفن وحدوده.
اذا ذوو الضحايا يزورون قبور أحبائهم والبكاء عليها كل عام في الوقت الذي ما يزال القتلة يزرعون الزهور ويتجولون بيننا.
avatar
الامبراطور زيدان
Admin
Admin

ذكر عدد الرسائل : 530
العمر : 27
تاريخ التسجيل : 09/03/2007

عضو ممبز
نقاط التميز: 15
وصف:

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى